علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

178

ثمرات الأوراق

فلمّا أصبحت نظرت فلم أجد أحدا ، ولمّا تعالى النّهار التفتّ فإذا أنا بشيء كأنّه طائر ، فما زال يدنو حتى تبيّنته ، فإذا هو فارس على فرس ، وإذا هو صاحبي بالأمس ؛ فعقلت الفحل ، وعمدت إلى كنانتي ، فقال : أحلل عقاله ، فقلت : كلّا ، لقد خلّفت خلفي عيالا جياعا بالحيرة . قال : فإنّك لميّت ، حلّ عقاله لا أمّ لك ! وانصب لي خطامه ، واجعل فيه خمس عقد ، وقل لي : أين تحبّ أن أضع سهمي ؟ فقلت : في هذا الموضع ؛ فكأنّما وضعه بيده . ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمس بخمسة أسهم ، فرددت نبلي ، وحططت قوسي ووقفت مستسلما . فدنا مني ، وأخذ القوس والسيف ثم أردفني خلفه ، وقد عرف أنّي الذي شربت اللّبن عنده وأكلت اللحم ، فقال : كيف ظنك بي ؟ فقلت : أحسن ظنّ ؛ فقال : أبشر إنّه لن ينالك شرّ ، وقد كنت ضيف مهلهل « 1 » ، فقلت : أزيد الخيل أنت ؟ قال : نعم أنا زيد الخيل . فلمّا انتهينا إلى منزله ، قال : لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إليك ، ولكنّها لابنة مهلهل فأقم عندي . فأقمت عنده أيّاما فشنّ الغارة على بني نمير فأصاب مائة بعير ، فقال : هذه أحبّ إليك أم تلك ؟ قلت : هذه ، قال : دونكها ، وبعث معي خفراء من ماء إلى ماء إلى أن وردت الحيرة فلقيني نبطيّ ؛ فقال : يا أعرابيّ ، احتفظ بإبلك ، فقد قرب مخرج النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : الذي يملك هذه الأرض ويطرد أهلها ، حتى إنّ أحدكم ليبتاع البستان بثمن بعير . قال : فاحتملت بأهلي إلى النّبط حتى جاءنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأسلمنا على يديه ، وما مضت إلّا أيام حتى اشتريت بثمن بعير من إبلي بستانا بالحيرة « 2 » . * * * يواسي بعضهم بعضا ونقل عن الواقديّ قال : كان لي صديقان أحدهما هاشميّ والآخر نبطيّ ، فكنّا في الصّداقة كنفس واحدة ، فنالتني ضيقة شديدة ، وحضر العيد ، فقالت امرأتي : أمّا نحن فنصبر على البؤس والشدة ، وأما صبياننا هؤلاء فقد تقطّع قلبي عليهم رحمة ؛ لأنّهم يرون صبيان جيراننا وقد تزيّنوا في عيدهم وهم فرحون . ولا بأس بالاحتيال فيما نصرفه في كسوتهم . قال : فكتبت إلى صديقي الهاشميّ أسأله التّوسعة عليّ بشيء ؛ فوجّه إليّ كيسا فيه ألف درهم ، فما استقرّ قراره حتى كتب إليّ صديقي الآخر

--> ( 1 ) مهلهل : أبو زيد الخيل . ( 2 ) الخبر في المستجاد : 66 / 70 .